في الحدث الإيراني.. من لا أوهام لديه يرى

نسخة للطباعة نسخة للطباعة أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

ما الذي يجعل الشعوب تخضع للاستبداد؟ ما الذي يجعل الجماهير تتماهى مع رجل واحد أوحد يقول «أنا الدولة، أنا الوطن، أنا الإسلام، أنا إيران»؟ هناك قسم يكون عادة من المستفيدين، الذين يخضعون بسبب تبعيتهم المادية، وقسم آخر من المستلبين الذين يتماهون في البداية بشكل مثالي بالحاكم، ثم يتبنون مواقفه بشكل كاريكاتوري مبالغ فيه.
 
ما الذي يجري في عقول الناس كي لا يعرفوا الدور الذي تقوم به الديكتاتورية وخطورة التغيير، الذي تحدثه فيهم؟
 
إن الذي يجعلهم يقبلون خطاب الداعية الفاشي، هو توجهه إلى مشاعر الأفراد المسوّاة والمسهمدة بواسطة الحشود والتي تهرب، كلما أمكنها ذلك، من البراهين المنطقية والموضوعية؛ فالهدف العظيم النهائي فقط ما يهم (وهنا البرنامج النووي وتصدير الثورة). أما ما يجري في الطريق إليه فغير مهم. السؤال أيضاً: لماذا تقبل الجماهير أن تخدع بهذه الطريقة؟ لماذا تنساق إلى المخاتلات السياسية وفق المنظور ذاته؟
 
ربما سبب مثل هذا الفهم، وهذا السلوك، يكمن في المسؤولية الفردية أو عدمها. وهذا هو الفرق على ما يبدو، بين وضع معظم الجماهير في غالبية الدول العربية، وبين الشعب الإيراني، الذي خدعنا صمته على سلوك الولي الفقيه المطلق الصلاحية لفترة فاعتقدنا أنه خضع للاستبداد.
 
لكن وكما يكتب رايش العالم النفساني الألماني: «لا ضرورة «لاكتساب» الحرية، إنها موجودة بشكل عفوي في كل الوظائف الحيوية، ما يجب عمله هو اكتساب موهبة القضاء على كل الموانع أمام الحرية». فما هي هذه الموانع؟
 
عندما قام الشعب الإيراني بثورته منذ 30 عاماً، كان يطمح لأن يتمتع بكل الحريـات التي حرمه منها نظام الشاه، وأن يتمتع بخيرات بلده من خلال تنمية اقتصادها والاستفادة من خيراتها. لكن الذي حصل أنه وصل الى وضع أسوأ من الذي كان فيه. فبماذا يعده النظام التيوقراطي الحاكم، فلم يهتم بحياته (كانت أجساد المراهقين تذهب وقوداً لتفجير حقول الألغام التي زرعها الديكتاتور الآخر صدام).. وماذا قدّم له رئيسه نجاد الذي تعامل معه كأبله وكخـانع؟ فقام بعزل الشباب الإيراني عن العالم، وحرمهم حرياتهم الشخصية، وحرمهم حرية التعبير واللباس والعيش، حرمهم احترام إنسانيتهم ببساطة. لكي يهرب الى الخارج ويوهمهم بوظيفته المقدسة في دعم «الحركات الإسلامية الثورية».. يسرة ويمنة، فيما عليهم الاكتفاء بالحرية الوطنية، وبعزة إيران التي تتفوق ببرنامجها النووي، فيما تستورد وقود السيارات، ويتكاثر أعداد الفقراء في دولة نفطية!
 
لمس الجيل الإيراني الجديد انزلاق بلده نحو الفاشية، فانتفض باكراً – ربما- قبل إحكام قبضتها عليه. مع صعوبة إنشاء ديكتاتوريات في عصر ثورة المعلومات التي ساعدت بشكل أساسي الشبيبة الايرانية على انتفاضتها ضد الحكم الديني المستبد وعلى نقلها الى الخارج.
 
ثمة انقسام أكيد في إيران.. ثمة فئات تعجز بالتأكيد عن التفكير المستقل، وتعاني مثل بعض جماهيرنا اللبنانية، من الامتثال.. تملؤها الأوهام التي غذاها نجاد طيلة أربعة أعوام فشجعها على اللاعقلانية، التي يغرق فيها ما أوهمه مع مرشد الثورة بقدرتهما الكلية على الإمساك بالسلطة بشكل أكثر قسوة وأكثر طغياناً.
 
المؤسف أن هذه الفئات التي يمتلئ بها عالمنا العربي، عاجزة عن التفكير المستقل.. ممتثلة، تابعة وكسولة، لا قدرة لها على اتخاذ قرارات، أو تحمل مسؤولية. للأسف، أقامت جميع الديكتاتوريات، دونما استثناء، سلطتها على لا مسؤولية الجماهير النفسانية والاجتماعية. إن العجز الفردي يولد الجماهير العاجزة. لكن الدرس الآتي من طهران قد ينجح في تلقين الديكتاتوريات درساً يزيل الغشاوة عن عيونها.
 
المؤسف أن تنحدر الثورة الإسلامية الى ممارسات، يفوق عنفها ممارسات النظام الذي جاءت باسم محاربته والقضاء على ديكتاتوريته وقمعه.. وهو كان على الأقل، أقل دموية من الممارسات التي نراها على الشاشات، والتي لا حجة لدى النظام القائم بها، سوى أنها مفبركة، ومن صنع أعداء الثورة عملاء الغرب.. لقد ذكرتني ممارسات الباسيج بالعنف الذي تمارسه السلطات الإسرائيلية المحتلة ضد الفلسطينيين. يعيش الإيراني في بلده وكأنه خاضع لسلطة محتلة.
 
يبقى الرهان على القوى الموجودة في السلطة من المؤسسة الدينية، ورجال الدين غير الراضين عما يجري من قمع وممارسات عنفية تتعارض مع أبسط القواعد الإنسانية. وعلى القادة الحكماء في الحرس الثوري منع جرّ إيران الى حقبة دموية. في انتظار تداعيات هذا الحدث المؤسس لمرحلة جديدة في منطقة الشرق الوسط.
 
فألف تحية للشباب الإيراني المنتفض من أجل الحصول على كل الحريات التي حرم منها، ومن اجل إرساء نظام متعدد ومنفتح، سواء أكان إسلامياً أم علمانياً.

د. منى فياض

أوان الكويتية
No votes yet